ابن حزم

877

الاحكام

وأيضا فإن قولهم في المد والصاع هو أقل ما قيل ، فهو حجة عندنا من هذه الجهة ، كما لو قال غيرهم ذلك سواء ولا فرق ، لان ما قالوا : الصاع ثمانية أرطال ، وقال قوم : أكثر من ذلك ، وقال جمهور أهل المدينة وقوم من غيرهم : خمسة أرطال ونيف . فكان هذا المقدار متفقا على وجوب إخراجه في زكاة الفطر ، وجزاء الصيد ، وكفارة الواطئ في رمضان ، والمظاهر ، وحلق الرأس للمحرم قبل بلوغ الهدي محله ، فوجب الوقوف عند الاجماع في ذلك ، وكان ما زاد مختلفا فيه لم يجب القول به إلا بنص . ولا نص مسندا صحيحا في ذلك ، فلم يجب القول بإخراج الزيادة على ذلك ، بغير نص ولا إجماع ، وأجمعت الأمة كلها ، بلا خلاف في أحد منها ، على أن المد والصاع المذكورين في زكاة الفطر هما المذكوران في المقدار الذي تلزم فيه الزكاة من الحب والتمر ، وأنهما سواء ، فلما صح المقدار المذكور في زكاة الفطر ، صح أنه يعينه في زكاة الحب والتمر ، ولا فرق ، ويكفي من هذا أنه نقل مبلغ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكافة . وأما الخلاف في المد والصاع ، فإنما هو خلاف رأي ، لا خلاف رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فسقط ذلك الخلاف ، والحمد لله رب العالمين . واحتجوا في ذلك بما روي من قول عبد الرحمن بن عوف لعمر رضي الله عنهما : إن الموسم يجمع رعاع الناس ، فاصبر حتى تأتي المدينة فتخلو بوجوه الناس . فالجواب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يتبع من عبد الرحمن بن عوف ، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل التبليغ الذي أمره الله به إلا في مكة في حجة الوداع في الموسم الجامع لكل عالم وجاهل . وهنالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا هل بلغت فقال الناس : اللهم نعم فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم اشهد ولم يجعل صلى الله عليه وسلم ذلك التبليغ العام الذي أقام به الحجة ، في المدينة ولا في خاص من الناس ، ولا بحضرة وجوه الناس خاصة دون الرعاع وكذلك لم يكتف رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة سورة براءة في المدينة ، وهي آخر سورة نزولا ، وهي الجامعة للسير وأحكام الخلافة والإمامة ، حتى يبعث بها عليا ليقرأ في الموسم بمكة ، في حجة أبي بكر رضي الله عنهما ، بحضرة كل من حضر . وإنما يكون الانفراد بوجوه الناس في الآراء التي تدار ، ويستضر بكشفها